إذا اضطر الموظف إلى العمل في بيئة تفرض عليه تحقيق إنجاز سريع بدقة عالية ولفترات طويلة، فإن طبيعة هذا العمل قد تتحول من تحدٍّ مهني إلى مصدر ضغط مزمن. فعندما يصبح من المعتاد أن يُطلب من الموظف تنفيذ مهام دقيقة ومعقدة تحت ضغط الوقت المستمر، يبدأ التأثير السلبي في الظهور على جوانب متعددة من حياته، أبرزها صحته النفسية وفعاليته في أداء مهامه على المدى البعيد.
تحرص المؤسسات عادةً على تحقيق التوازن بين الجودة والسرعة، ولكن الواقع العملي يفرض في كثير من الأحيان ضغطًا مزدوجًا: أن تكون دقيقًا وسريعًا في آنٍ واحد. هذا التوازن يصبح مستحيلًا عندما يُطلب من الموظف الحفاظ على مستوى عالٍ من الإتقان مع سرعة في التنفيذ دون توفير الأدوات أو المساحة المناسبة لذلك. ولتحقيق هذه المعادلة، يضطر الكثيرون للعمل لساعات إضافية طويلة، غالبًا على حساب راحتهم ونومهم وحياتهم الشخصية، مما يؤدي تدريجيًا إلى
استنزاف طاقتهم الجسدية والنفسية.

تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن العمل لأكثر من ٥٥ ساعة
أسبوعيًا يرفع من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة ٣٥٪، وبأمراض القلب بنسبة ١٧٪. أما على الصعيد النفسي، فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة “فوربس” عام ٢٠٢٥ أن ٦٦٪ من الموظفين يعانون من الإرهاق الوظيفي، وهو من أعلى المعدلات التي تم تسجيلها حتى اليوم. وفي تقرير آخر صادر عن منظمة “نامي” الأمريكية، صرّح ٥٢٪ من الموظفين أنهم شعروا بالإرهاق النفسي بسبب ضغط العمل خلال العام الماضي، فيما ذكر ٣٧٪ منهم أنهم شعروا بأنهم غارقون تمامًا في المسؤوليات لدرجة أثّرت على قدرتهم على أداء مهامهم اليومية.
الإرهاق الناتج عن هذا الضغط المستمر لا يقتصر على الشعور بالتعب، بل يتعداه إلى مشكلات أكثر عمقًا مثل القلق، انخفاض التركيز، فقدان الدافعية، وتراجع جودة العمل. وما يبدأ كتحدٍّ لتحسين الأداء قد ينتهي بفقدان الشغف وتدهور الصحة النفسية.
ومع ذلك، فإن الحلول ليست بعيدة المنال. من المهم أن تدرك المؤسسات أن ليس كل المهام تتطلب نفس القدر من السرعة أو الدقة، وأن وضوح الأولويات يساعد الموظف في إدارة وقته وجهده بكفاءة. كذلك فإن بناء ثقافة عمل قائمة على الأمان النفسي، حيث يمكن للموظف التعبير عن مخاوفه وطلب الدعم دون الخوف من التقييم السلبي، تخلق بيئة أكثر توازنًا واستدامة.
أيضًا، فإن أتمتة المهام الروتينية وتبسيط الإجراءات من خلال التكنولوجيا يساهم في تقليل الضغط المتراكم، ويوفر وقتًا للتركيز على المهام ذات القيمة العالية. ومن جانب آخر، فإن توفير تدريبات عملية لإدارة الوقت والضغوط النفسية يرفع من كفاءة الأفراد ويساعدهم في التكيف مع ضغوط العمل بطريقة صحية. ويكتمل هذا المشهد حين يتبنى القادة أنفسهم أسلوبًا متوازنًا في العمل، فيكونون قدوة للفريق في التوازن بين الدقة والسرعة، ما يمنح شرعية ومصداقية لأي تحول ثقافي يُراد تحقيقه.
في نهاية المطاف، لا يمكن تجاهل أن الجمع بين السرعة والدقة في بيئة العمل المعاصرة قد يكون ضرورة، ولكن التعامل مع هذا التحدي يتطلب وعيًا مؤسسيًا حقيقيًا. المطلوب ليس إلغاء التحديات، بل توفير الأدوات والمرونة اللازمة لمواجهتها، بما يحفظ صحة الموظف ويعزز استدامة الأداء على المدى الطويل. فالصحة النفسية ليست ترفًا، بل
شرط أساسي لتحقيق إنتاجية حقيقية وتنمية بشرية متوازنة.
مواهب الحمصي
مدربة ومستشارة عافية
مديرة اكتنس

Leave a Reply