العمل ليس مجرد مهام يومية أو أرقام تُنجز، بل هو مساحة نحمل إليها ذواتنا كل يوم. وفي خضم الضغوط والمنافسة، كثيرًا ما ننسى أن أرواحنا ترافقنا إلى مكاتبنا ومشاريعنا. وعندما ينفصل ما نقوم به عن قيمنا الجوهرية، يبدأ شيء في داخلنا بالتصدّع بصمت.
الشرخ الصامت
هذا الشرخ يظهر على شكل إرهاق، فقدان حماسة، تشتّت، أو حتى شعور بالاغتراب عن أنفسنا. ليس الأمر مجرد تعب جسدي، بل هو ما وصفته بعض الدراسات بالـ “burnout of the soul”: لحظة تقول فيها أرواحنا “لم أعد أجد مكاني هنا.”
دراسة حديثة أكدت أن التوافق بين القيم الشخصية وثقافة المؤسسة يقلّل من الاحتراق الوظيفي ويعزّز الانتماء العاطفي للموظف. بينما غياب هذا التوافق يفتح الباب أمام الاستنزاف النفسي واللامبالاة.
الحاجة إلى الانسجام
العناية بالروح في مكان العمل تبدأ من شجاعة طرح الأسئلة:
هل أجد طموحي هنا؟
هل ما زلت أكرّم قيَمي في قراراتي اليومية؟
هل تغيّر سلوكي مع الوقت، وأصبح أكثر سلبية؟
هل يمنحني عملي فرصة للمساهمة في ما له معنى؟
الأبحاث في مجال Person–Organization Fit أوضحت أن هذا الانسجام بين الفرد وبيئة عمله يرفع الولاء، ويقلّل من رغبة الموظفين في ترك العمل.
غذاء الروح
الاهتمام بالروح في العمل لا يتطلب تغييرات جذرية دائمًا، بل يبدأ بخطوات صغيرة:
وضع حدود صحية لحماية طاقتنا
البحث عن مهام تتوافق مع قيمنا
بناء علاقات إنسانية أصيلة، لا مجرد علاقات مصلحية
منح أنفسنا لحظات للتأمل والشكر
نموذج Job Demands-Resources يوضح أن الموارد الإيجابية (مثل الدعم، فرص التعلم، التحكم بالمهام) تقلّل من الاحتراق وتعزّز ما يُعرف بـ Work Engagement؛ حالة ذهنية إيجابية مليئة بالطاقة والتفاني.
البعد الإنساني والأجيال الجديدة
جيل الشباب اليوم – خاصة جيل Z – أصبح يرى أن العمل الذي يتعارض مع قيمهم لا يؤدي فقط إلى التعب، بل إلى تصدّع داخلي في الهوية. ولهذا يبحثون عن بيئة عمل توازن بين الأداء والعافية العاطفية.
الخاتمة
رحلة الحياة المهنية طويلة، وإذا تجاهلنا صوت الروح نخاطر بأن نفقد شغفنا ومعناه. لكن حين نمنحه المساحة ونعيش بانسجام مع قيمنا، يتحوّل العمل إلى مصدر طاقة وإبداع وفرح. وحينها، لا تكون العافية رفاهية إضافية، بل حجر الأساس لكل إنجاز حقيقي ومستدام.
مواهب الحمصي
مستشارة ومدربة عافية مؤسسية
مؤسسة شركة اكتنس


Leave a Reply