العمل لم يعد يُنظر إليه كوظيفة أو مصدر دخل فحسب، بل كمرآة
تعكس مستوى المسؤولية والالتزام الذي يميز الموظف ويُظهر كفاءته وانتماءه. فالمسؤولية تتجلى في الوفاء بالواجبات وتحمل تبعات القرارات والسعي لتحقيق المهام بأفضل صورة ممكنة، في حين يمثل الالتزام الركيزة التي تضمن استمرارية الأداء وتحقيق أهداف المؤسسة على المدى الطويل.
معضلات شائعة في بيئات العمل الحديثة
في المؤسسات المعاصرة، يظهر تحدٍ متكرر يتمثل في الخلط بين الوقت المهني والوقت الشخصي، خصوصًا مع الاعتماد الواسع على الهواتف الذكية والتواصل عبر المنصات الرقمية. بعض الموظفين قد يقضون فترات طويلة على هواتفهم، جزء منها مرتبط بالرد على العملاء عبر قنوات الشركة، بينما الجزء الآخر يضيع في التصفح والاستخدام الشخصي. هذه الازدواجية تثير قلق المديرين، لأنها تجعل من الصعب التمييز بين الجهد المنتج والهدر غير المرئي للوقت. النتيجة المباشرة لذلك هي ضعف في التركيز، تراجع الإنتاجية، وانزعاج
إداري متواصل
وفي مثال آخر، قد يتجاهل موظف في قطاع السفر استفسارًا واردًا خارج ساعات العمل، فيفقد فرصة لصفقة محتملة تذهب إلى منافس أكثر استجابة. في المقابل، الموظف الملتزم يتعامل مع الموقف بمرونة ويطور آلية واضحة لمتابعة العملاء، ما يحول التحدي إلى فرصة لزيادة الإيرادات.
هذه الحالات تكشف عن معضلة أساسية: التكنولوجيا أداة مزدوجة الوجه، إما أن تُدار بوعي ومسؤولية فتخدم الأهداف، أو تُهمل فتصبح وسيلة لإضعاف الإنتاجية
من الثقة إلى الابتكار: المسؤولية والأمان النفسي
الثقة في بيئة العمل لا تُبنى بالوعود، بل بالأفعال المتكررة؛ فالموظف الذي ينجز مهامه ويتحمل تبعات قراراته، حتى عند الخطأ، يعزز مكانته داخل الفريق ويكسب ثقة الإدارة. أما التنصل من المسؤولية فيزعزع الثقة ويضعف التعاون الجماعي.
وفي السياق ذاته، الابتكار لا يولد في أجواء يسودها الخوف، بل يحتاج الموظف إلى أمان نفسي يتيح له طرح الأفكار وتجربة الحلول الجديدة دون خشية من العقاب، مما يحول ثقافة العمل من “إلقاء اللوم” إلى “التعلم من الخطأ”. هنا تتكامل المسؤولية مع الأمان النفسي؛ فحين يشعر الفرد بالثقة يصبح أكثر التزامًا بقراراته، بينما غيابها يدفعه إلى الصمت وتجنب المخاطرة، وهو ما يقود إلى جمود تنظيمي.
لكن الأمان النفسي لا يعني التساهل المطلق مع الأخطاء، بل التمييز بين الخطأ الناتج عن التجريب والاجتهاد وهو مقبول لأنه يثري الخبرة والخطأ الناتج عن الإهمال أو التكرار دون تعلم — وهو غير مقبول ويستوجب تدريبًا ومساءلة. وتؤكد دراسة في Review of Financial Studies (Indiana University وUniversity of Minnesota) أن المؤسسات التي تتبنى تسامحًا مدروسًا تجاه الفشل تحقق معدلات ابتكار أعلى، بينما تشير Harvard Business Review إلى أن الأمان النفسي وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بمعايير أداء عالية ومساءلة واضحة لضمان التوازن بين حرية التجريب والالتزام بالنتائج..
المسؤولية كقيمة مؤسسية
المسؤولية ليست مجرد سلوك فردي، بل قيمة مؤسسية أساسية تحتاجها الشركات لتعزيز ثقافة الاستدامة والنجاح. هذه القيمة لا تتشكل تلقائيًا، بل يتم ترسيخها عبر التدريب المستمر، بناء القدوات القيادية، وتفعيل آليات عملية تضبط السلوكيات اليومية للموظفين
الخلاصة: من الشعارات إلى الممارسة
المسؤولية والالتزام لا يقتصران على الشعارات، بل ينعكسان في الممارسات اليومية التي تحدد نجاح المؤسسة أو تعثرها. كل تفصيل صغير من متابعة عميل في الوقت المناسب إلى إدارة وقت العمل بعيدًا عن إغراءات السوشال ميديا او عمل امور ليس لها علاقة بالعمل يشكل مؤشرًا على مدى التزام الموظف. وعندما تُترجم هذه القيم إلى برامج تدريبية ونماذج قيادية، تصبح جزءًا من ثقافة الشركة، مما يفتح
الطريق نحو بيئة عمل أكثر إنتاجية وابتكارًا واستدامة.
مواهب الحمصي
مدربة ومستشارة عافية مؤسسية
مؤسسة شركة اكتنس للعافية المؤسسية


Leave a Reply