Sorting by

×

المثالية/الكمالية في بيئة العمل: متى تتحوّل من قوّة إلى عبء على العافية النفسية؟

في كثير من بيئات العمل، تُقدَّم المثالية على أنها سلوك إيجابي يدل على الالتزام والحرص على الجودة. وغالبًا ما تُربط بصورة «الموظف المثالي» الذي يعمل بلا كلل، لا يخطئ، ولا يطلب مساحة أو دعمًا.
لكن من منظور العافية النفسية الذي تتبنّاه Actness، لا يُقاس الأداء فقط بما ننجزه، بل بما نتحمّله نفسيًا أثناء الإنجاز

:فهنا يظهر السؤال الأهم
هل الكمالية/المثالية دائمًا قوّة؟ أم أنها أحيانًا شكل خفي من أشكال الضغط

الداخلي؟

من هو الموظف الكمالي

:الموظف الكمالي ليس فقط من ينجز عمله بإتقان، بل غالبًا من

يضع معايير داخلية مرتفعة يصعب الحفاظ عليها باستمرار*

لا يتسامح مع الخطأ أو الغموض أو فكرة «الجيد كفاية»*

يربط قيمته الذاتية بإنجازه المهني*

تحرّكه مخاوف الفشل أكثر مما تحرّكه الرغبة في التعلّم

من منظور العافية، الكمالية هنا ليست سعيًا متوازنًا نحو التميّز،
بل محاولة للحفاظ على الشعور بالأمان عبر السيطرة.

من هو «الموظف المثالي/الكمالي»؟ ماذا تقول الأبحاث؟

تشير دراسات علم النفس التنظيمي إلى أن مفهوم «الموظف المثالي» ليس معيارًا إنسانيًا واقعيًا بقدر ما هو بناء ثقافي تنظيمي تشكّله توقعات المؤسسات. وتتناول نظرية الموظف المثالي (Ideal Worker Norm) هذا المفهوم، حيث يُتوقَّع من الموظف أن يكون متفرغًا بالكامل للعمل، محافظًا على أداء عالٍ بغضّ النظر عن ظروفه الشخصية، ومقللًا من حاجته للراحة أو الدعم، مع إظهار تماسك دائم حتى في أوقات الضغط. وتُظهر الأبحاث أن هذا النموذج، رغم جاذبيته الظاهرية، يرتبط بارتفاع مستويات الضغط النفسي، وصعوبة طلب الدعم، وزيادة أنماط الكمالية غير الصحية—خصوصًا لدى الموظفين ذوي يقظة الضمير العالية. ومن منظور Actness، فإن التمسك الصارم بهذه الصورة قد يرفع الأداء على المدى القصير، لكنه يُضعف

العافية النفسية والاستدامة على المدى الطويل

الكمالية ويقظة الضمير (Conscientiousness)

قد يكون السعي إلى المثالية نابعًا من يقظة الضمير (Conscientiousness)، وهي سمة إيجابية ترتبط بالمسؤولية، والانضباط، والحرص على الجودة. فالأشخاص ذوو يقظة الضمير العالية غالبًا لا يقبلون بأداء يرونه دون المستوى، حتى في ظروف خارجة عن سيطرتهم مثل المرض أو الضغوط الشخصية. إلا أن التحدّي يظهر عندما تتحوّل هذه السمة من التزام صحي إلى جمود نفسي، حيث تقل المرونة، وتضعف القدرة على التكيّف، وينخفض الشعور بالمتعة أثناء العمل. في هذه الحالة، لا يكون الدافع هو الشغف أو المعنى، بل الخوف من الخطأ أو التقييم السلبي

كيف تؤثر الكمالية على الفرد؟

من منظور العافية النفسية، تضع الكمالية الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم. وقد يختبر الفرد:

توترًا وقلقًا مستمرين

نقدًا ذاتيًا قاسيًا وصعوبة في الشعور بالرضا

صعوبة في التوقّف أو الراحة دون شعور بالذنب

خوفًا من التفويض أو التغذية الراجعة

مع الوقت، يتحوّل الإنجاز إلى عبء نفسي، ويظهر الإرهاق الذهني، وينخفض الإبداع، وقد يصل الفرد إلى الاحتراق الوظيفي. فيبدو الشخص منتجًا من الخارج، لكنه مستنزف من الداخل.

كيف تؤثر الكمالية على من حوله؟

الكمالية لا تبقى محصورة في صاحبها، بل تنتقل إلى الفريق بطرق غير مباشرة

خلق ضغط غير معلن لبلوغ معايير مرتفعة

انخفاض الأمان النفسي، ما يقلّل مشاركة الأفكار أو المسودات

تجنّب الخطأ بدل التعلّم منه

بطء في اتخاذ القرار بسبب الإفراط في المراجعة

في هذه البيئات، يعمل الفريق، لكنه لا يزدهر. تقل المرونة، ويضعف

التعاون، وتتأثر العافية الجماعية

الكمالية وجيل زد

دخل جيل Z بيئة العمل في ظل عدم استقرار عالمي، ومقارنات مستمرة، وتوقعات عالية بالإنجاز والمعنى. لذلك، غالبًا ما تنبع كماليتهم من الخوف من عدم الكفاية، لا من حب الإتقان

عندما يعمل هذا الجيل في بيئات تُعاقب الخطأ، تتراجع عافيتهم بسرعة

الخلاصة – من منظور اكتنس

العافية في بيئة العمل لا تعني خفض المعايير أو التنازل عن الطموح، بل تعني إعادة تعريف النجاح بطريقة أكثر إنسانية واستدامة. فالبيئات الصحية هي تلك التي توازن بين الأداء والإنسان، وترفع المعايير دون أن تسحق العافية النفسية، وتدعم التميّز المستدام بدل السعي إلى كمال مُنهكين. وفي اكتنس نؤمن أن الهدف الحقيقي ليس بناء موظفين مثاليين، بل تمكين موظفين أصحّاء، واعين، وقادرين على الازدهار

والنمو على المدى الطويل

Mawaheb Homsi

مواهب الحمصي

مديرة اكتنس

مستشارة عافية مؤسسية

Leave a Reply

Spam-free subscription, we guarantee. This is just a friendly ping when new content is out.

← Back

Thank you for your response. ✨

Discover more from Welcome to our world

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading