حين تكون الحرب قريبة، لا يبقى القلق فكرة نناقشها، بل يصبح شعورًا يرافق الناس كل يوم. يظهر في نبرة الصوت، وفي الصمت الطويل، وفي تشتت الذهن، وفي القلق الذي يسكن القلوب حتى أثناء أبسط التفاصيل اليومية.
وفي منطقتنا اليوم، لا يعيش الناس فقط ضغوط العمل وتحديات الحياة، بل يعيشون أيضًا ثقل الأخبار، ووجع المشهد، والقلق من القادم، والإرهاق النفسي الذي قد لا يُرى بالعين، لكنه حاضر في كل شيء.
ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم بشرمثل هذه الأوقات، يتغير الناس
القلق قد يجعل الإنسان أقل تركيزًا، أسرع انفعالًا، وأكثر ميلًا إلى الانسحاب أو الصمت أو التردد. وقد يدفعه أحيانًا إلى اتخاذ قرارات متسرعة فقط ليشعر بأنه يسيطر على شيء ما وسط هذا الاضطراب
كما أنه يضيّق مساحة التفكير الهادئ، ويجعل الثقة أكثر هشاشة، ويُضعف قدرة الإنسان على رؤية الصورة الأكبر.
القلق لا يتوقف عند باب المؤسسة
في بيئات العمل، لا يتوقف هذا القلق عند باب المؤسسة، بل يدخل مع الناس إلى الاجتماعات، وإلى القرارات، وإلى العلاقات، وإلى مستوى الطاقة الذي يحملونه معهم كل يوم
قد نراه في انخفاض الحماس، أو في التوتر، أو في الحساسية الزائدة، أو حتى في ذلك الصمت الذي يبدو مهنيًا من الخارج، لكنه في الحقيقة مثقل بما لا يُقالهنا يصبح دور القائد أكبر من مجرد الإدارة
في أوقات كهذه، لا يحتاج الناس فقط إلى خطط واضحة، بل إلى حضور إنساني واضح
لا يحتاجون إلى من يتجاهل الواقع، بل إلى من يراه كما هو، ويعترف بصعوبته، ثم يقود وسطه بهدوء واتزان
يحتاجون إلى قائد لا ينكر القلق، لكنه لا يسمح له بأن يتحول إلى حالة
جماعية تبتلع الجميع
ما الذي يجب أن يفعله القادة؟
القيادة في زمن الحرب ليست فقط قدرة على الاستمرار في العمل، بل قدرة على حماية الإنسان داخل العمل هي أن تدرك أن من أمامك قد يكون حاضرًا بجسده، لكنه منهك من الداخل.
هي أن تختار الوضوح بدل الغموض، والصدق بدل الشعارات والرحمة بدل القسوة، والثبات بدل الذعر
ومن أهم ما يمكن أن يفعله القادة في هذه المرحلة هو ألا يتركوا الناس وحدهم في مواجهة هذا الضغط
من الضروري أن يهيئوا مساحات آمنة للحوار، وأن ينظموا جلسات جماعية صادقة تتيح للأفراد التعبير عمّا يشعرون به، ومشاركة ما يواجهونه من قلق أو ثقل نفسي دون خوف من الحكم أو التقليل.
كما أن توفير جلسات coaching أو sessions للدعم الفردي والجماعي لم يعد أمرًا إضافيًا أو رفاهية تنظيمية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من مسؤولية القيادة الواعية.
لماذا هذه الجلسات مهمة؟
هذه الجلسات لا تعني فقط الحديث عن المشاعر، بل تساعد الناس أيضًا على فهم ما يمرون به، واستعادة شيء من الاتزان، وبناء قدرة صحية على التكيّف والاستمرار
وحين يشعر الأفراد أن المؤسسة لا ترى أداءهم فقط، بل ترى إنسانيتهم أيضًا، يصبح الانتماء أعمق، والثقة أقوى، والقدرة على الصمود أكبر
ما الذي يبقى في ذاكرة الناس؟
الناس قد تنسى كثيرًا من القرارات التي اتُّخذت في الأوقات الصعبة، لكنها لا تنسى أبدًا كيف جعلتهم القيادة يشعرون
هل شعروا أن أحدًا فهم قلقهم؟
هل شعروا أن هشاشتهم لم تُقابل بالحكم؟
هل شعروا أن هناك من منحهم مساحة للتنفس، وللتماسك، وللاستمرار بحب؟
القيادة في زمن الحرب اختبار للإنسانية
في زمن الحرب من حولنا، لا تكون القيادة اختبارًا للكفاءة فقط، بل اختبارًا للإنسانية أيضًا
وهنا يظهر القادة الحقيقيون: أولئك الذين لا يضيفون إلى قلق الناس قلقًا، بل يمنحونهم قدرًا من الطمأنينة، وقدرًا من المعنى، وقدرًا من الثبات… يكفي ليواصلوا الطريق
مواهب الحمصي
مؤسسة شركة اكتنس
مستشارة ومدربة عافية مؤسسية




Leave a Reply